زاهر بن سعيد
276
تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجبار
وزعم صاحب القاموس « 1 » من باب الخطأ ، وقال : " الهرمان بناءان أزليان بمصر بناهما إدريس ( نوح ) عليه السلام لحفظ العلوم فيهما عن الطوفان ، أو بناء سنان بن المشلشل ، أو بناء الأوائل لما علموا بالطوفان من جهة النجوم . وفيها كل طب وسحر وطلسم « 2 » " . ولعمري هذا غلط من جملة أغلاط صاحب القاموس . وهذان الهرمان متقاربان جدا ومبنيان بالحجارة البيض . وأما الثالث فينقص عنهما بنحو الربع ، لكنه مبني بحجارة الصّوان الأحمر المنقّط الشديد الصلابة ، ولا يؤثر فيه الحديد إلا في الزمن الطويل ، وهو صغير بالقياس إلى ذينك . وقد سلك المصريون في بناية الأهرام طريقا عجيبا من الشكل والإتقان ، ولذلك صبرت على ممرّ الزمان ، بل على ممرّها صبر الزمان . فإن الأذهان الشريفة قد استهلكت فيها ، والعقول الصافية قد أفرغت عليها مجهودها ، والأنفس النّيرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها ، والملكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل حتى أنها كادت تحدّث عن قومها ، وتخبر بحالهم ، وتنطق عن علومهم وأذهانهم ، وتترجم عن سيرتهم وأخبارهم ، وذلك أن وضعها على شكل مخروط يبتدئ من قاعدة مربّعة وينتهي إلى نقطة ، ومن خواص الشكل المخروط أن مركز ثقله في وسطه ، وهو يتساند على نفسه ، ويتواقع على ذاته ، ويتحامل بعضه على بعض ، فليس له جهة أخرى خارجة عنه يتساقط عليها . ومن عجيب وضعه أنه شكل مربّع قد قوبل بزواياه مهابّ الرّياح الأربع ، فإنّ الريح تنكسر سورتها عند مصادمتها الزاوية ، وليست كذلك عندما تلقى السطح . وهذه الأهرام ترى على بعد 20 ميلا . وعلوّ الأكبر منها نحو 500 قدم ، وفيه مدخل يلجه الناس يفضي بهم إلى مسالك ضيّقة ، وسراديب « 3 » متنافذة ، وآبار ، ومهالك ، وغير ذلك .
--> ( 1 ) هو محمد بن يعقوب الفيروزي آبادي ( 729 / 1329 - 817 / 1414 ) لغوي مشارك في عدة علوم له : القاموس المحيط . كحالة : معجم 12 / 118 ( 2 ) تنظر مادة : هرم ، القاموس 4 / 191 البابي الحلبي - مصر ط 2 / 1952 ( 3 ) أ : أسراب